ابن عجيبة

193

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقال آخر « 1 » : ما للحجاب مكان في وجودكم * إلا بسرّ حروف ( انظر إلى الجبل ) أنتم دللتم عليكم منكم ولكم * ديمومة عبّرت عن غامض الأزل عرفتم بكم هذا الخبير بكم * أنتم هم يا حياة القلب يا أملى ولما كانت المحبة تزيد وتنقص باعتبار شهود الوحدانية ، فكلما قوى التوحيد في القلب قويت المحبة ؛ لانحصارها في واحد ، ذكرها بأثر التوحيد ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 165 إلى 167 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ ( 165 ) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ( 166 ) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( 167 ) قلت : ويحتمل في وجه المناسبة ، أن يكون الحق تعالى لمّا ذكر دلائل التوحيد ذكر من أعرض بعد وضوحها فأشرك معه ، ليرتب بعد ذلك ما أعدّ له من العذاب ، والأنداد : جمع ندّ وهو المثل ، والمراد هنا الأصنام أو الرؤساء ، والإضافة في كَحُبِّ اللَّهِ من إضافة المصدر إلى مفعوله ، والحبّ : ميل القلب إلى المحبوب ، وسيأتي في الإشارة ، إن شاء اللّه . يقول الحق جل جلاله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أشباها وأمثالا من الأصنام والرؤساء يُحِبُّونَهُمْ ، وينقادون إليهم ، كما يحبون اللّه تعالى ، فيسوّون في المحبة بين اللّه تعالى العلى الكبير ، وبين المصنوع الذليل الحقير ، وَالَّذِينَ آمَنُوا باللّه ووحّدوه أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ؛ لأن المؤمنين لا يلتفتون عن محبوبهم في الشدة ولا في الرخاء ، بخلاف الكفار فإنهم يعبدونهم في وقت الرخاء ، فإذا نزل البلاء التجئوا إلى اللّه . قال تعالى : ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ الآية ، وأيضا : المؤمنون يعبدون اللّه بلا واسطة ، والكفار يعبدونه بواسطة أصنامهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى وأيضا المؤمنون يعبدون ربا واحدا فاتحدت محبتهم . قال سعيد بن جبير : ( إن اللّه تعالى يأمر يوم القيامة من عبد الأصنام أن يدخلوا النار مع أصنامهم ، فيمتنعون لعلمهم بالخلود فيها ، ثم يقول للمؤمنين بين يدي الكفار : إن كنتم أحبائي فأدخلوا ، فيقتحم المؤمنون النار ، وينادى مناد من تحت العرش : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ . وفي ذلك يقول ابن الفارض :

--> ( 1 ) وهو الششتري .